مــنـتـدى نـسـوي اسـلامــي يـهـتـم بـشـؤون المــــــــــــرأة المــــــــــــــــسـلمـة بـدنـيـاهـا وآخـرتـهـا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 متــــــــــــــــــــحف الجنوب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سمو الاميرة
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

التسجيل : 27/08/2016
عدد المساهمات : 235
الموقع : المغرب
السٌّمعَة السٌّمعَة : 7

مُساهمةموضوع: متــــــــــــــــــــحف الجنوب   الأحد أغسطس 28, 2016 12:58 am

متــــــــــــــــــــحف الجنوب
مضغت أحلامي و أوجاعي مرات عديدة. وامتطيت صهوة الإخفاق و الفشل أزمنة مديدة.
بأظافري حاولت جاهدا أن أثقب دفاتر اليأس و أمحو القتامة عن وجه الربيع و جربت أن أضيف للأقحوان نصرا جديدا و عطرا مختلفا...
في خزانة الملابس أحتفظ دائما بكنزين ثمينين..مصحف مخطوط بأحرف مذهبة و مطبوع في مدينة اسطنبول.
و لافتة صغيرة عليها شعار خالد قاله الزعيم سعد زغلول ذات يوم " لا حياة مع اليأس و لا يأس مع الحياة ".
في بلادي الوسيعة يرقد شهيد تحت كل شجرة و تختال النوارس حول قمم المآذن و يستنشق البشر هواءا ممزوجا بعبق الحرية.
في طفولتي البعيدة جدا قرأت كل آثار -شيقي فارا -و انخرطت في أفواج الكشافة رغم اعتراض والدي و تبرمه من نمط حياة الكشفيين..
أسبل علي الرفاق لقبا جديد ( الكشاف الغاضب ). معا التحفنا رمال الصحراء و صادقنا الزواحف و الأفاعي و قطعنا أودية سحيقة و رافقتنا نجوم السماء في أسفارنا.
(شركة الغاز و البترول ) هي حلم كل الشباب و مبتغاهم. هي بمثابة الأنثى الفاتنة التي يتعارك من أجلها كل ذكور القبيلة...الظفر بمنصب في تلك الشركة هو مفتاح للعيش الرغيد و تأشيرة للحياة الوادعة..أرسلت ملفا مزدحما بالأوراق و الشهادات و بعد فترة علقوا لائحة المقبولين. نقبت عن اسمي هناك فما أفلحت...أصحاب النفوذ استحوذوا على أحلامنا الطرية و لم يتركوا لسمكة مسكينة مثلي أي مجال.
سخطت و طاش عقلي و زهدت في الطعام و فارقني الرقاد و لزمت داري. في هذه الأيام العصيبة استيقظ في داخلي وجع جديد و قديم. تذوقته مرات كثيرة...تذوقته مع الشركة العامة للكهرباء. ثم المصرف الوطني. ثم المقاولة الكبرى للإنشاءات. ثم غرفة التجارة و الصناعة ثم....
كنت في كل مرة أكافح جبهتين مختلفتين.. الإخفاق و أصحاب النفوذ.
دق..دق..دق..دق..اقتحمت علي خلوتي و هي تحمل طبقا به فنجان قهوة و شطيرة رغيف من شعير و كأس لبن. أرهفت السمع لأتبين حديثها الخافت...والدتي المسكينة تشكو من آلام في حبالها الصوتية :
- لقد أوشكت الساعة أن تقترب من الثامنة و أزف موعد الذهاب يا حكيم –
إنها تتعهدني بالرعاية و كأنني لا زلت صبيا يافعا..على الفور تناولت قهوتي و أصلحت هندامي و واستعدت بعض وسامتي. في الوقت الذي كانت أمي ترنو صوبي بعينين وادعتين.
لملمت أوراقي و رتبتها في حقيبة من الجلد الفاخر. في الشارع كان الهواء الرطيب يشاكس غصون أشجار السرو و الصفصاف و الرمان. و الشمس الحانية تغمر نوافذ المنازل بسخاء...
كل شيء جميل و رومانسي و يدعو إلى التفاؤل في هذا الصباح السعيد. في الواجهة المقابلة للشارع رمقت نفرا من العمال يثبتون لافتة كبيرة فوق مبنى ضخم. كتبوا فوق اللافتة بخط كوفي أنيق ( متحف الجنوب )...
قررت أن أزور هذا المتحف في أقرب فرصة ممكنة. و بعد مسيرة ساعة وصلت إلى ( شركة المناجم و المعادن الثمينة). تسلقت الأدراج المتراصفة مثل حبات مسبحة.
في مكتب التوظيف هشت للقائي امرأة هيفاء ذات بشرة بيضاء. كأنها احتجبت عن ضوء الشمس منذ ساعة الولادة.
- سيدي المحترم اسمك و عمرك و مؤهلاتك من فضلك –
أجبتها بصوت خفيض و هي تدون البيانات في دفتر عملاق :
- حكيم. أربعون سنة و سبعة أشهر و يومان. مهندس جيولوجيا –
تبسمت المرأة و أجابت بصوت رخيم يحاكي مقطوعة سيمفونية :
- اليوم سوف ندرس الملفات بعناية ثم ننشر لائحة المقبولين غدا صباحا. حظ سعيد يا حكيم-
في طريق العودة إلى البيت عرجت على ( متحف الجنوب ). تلك اللافتة مثبت بإحكام فوق المنشأ.
ولجت المبنى لأول مرة..فسيح و نظيف و فضاءاته متناثرة و رحيبة. كل فضاء مطلي بلون مختلف و مضاء بمصابيح تأسر الأنظار. الزائرون كانوا يطوفون بين الأروقة و الفضاءات و يستمتعون بالكنوز المعروضة...
شاهدت حجارة تنحدر من العصر الحجري و رأيت الغصون المتحجرة و رأيت الأسلحة التي كان يستخدمها قدامى المحاربون و تفرجت على لوحات زيتية نادرة...لربع ساعة أو يزيد وقفت مشدوها أمام لوحة مرسومة بالفحم الأسود لامرأة جميلة جدا تطعم سربا من الحمام و البط في حين رضيعها بقربها مستغرق في بكاء طويل...
لأول مرة في حياتي ألمس بأناملي تماثيل و منحوتات أبدع فيها فنانون مشهورون و مغمورون.
فرغت من التجوال في المتحف و دخلت كل الفضاءات ما عدا قاعة متوارية في زاوية من المتحف. القاعة كانت فارغة من الزائرين و من المعروضات..
لمست الرضى و السرور على ملامح الناس هنا. أخذوا يتدفقون على المتحف الصرح بشوق و فضول كبيرين..
خارج المتحف و فوق الإسفلت الدافئ أخذ رذاذ المطر يتساقط في صمت. زيارتي لذلك المبنى منحتني طاقة متجددة من الأمل و الثقة تكفي لكل تعساء هذا الكون...
لقد أعاد الرذاذ المتساقط الحياة إلي. أو أعادني إلى الحياة ...و حين قررت السماء أن تلتحف وشاحها الأسود دخلت إلى المنزل سعيدا و كأنني أنا الذي اكتشفت الذرة...
ازدردت لقيمات مع والدتي و قصصت عليها جميع مشاهد ذلك المتحف الباذخ..ثم أسلمت بقايا جسدي إلى السرير .. و أسلمت رأسي إلى مخذة وثيرة و تسمر بصري في سقف الحجرة.
على السقف الصقيل تحرك أمامي خيط طويل من المشاهد مثل سرب من الدمى المتراقصة..حقيبة منتفخة بالأوراق و الشهادات...الإسفلت المبلل بالرذاذ..الموظفة البيضاء..اللافتة المثبتة فوق المتحف..المرأة الفاتنة التي تطعم البط و الحمام..و...
أيقظني شعاع رفيع من الشمس تسلل مع ثقب النافذة. الشعاع كان مليئا بغبار كثيف.
حملت حقيبتي الصغيرة و في أقل من ساعة كنت جاثما كالطود أمام أسوار ( شركة المناجم و المعادن الثمينة ).
قبالة سبورة زرقاء تقاطر الشباب من كل الأصقاع. البعيدة و القريبة. الزحام كان خانقا و مملا..
أرسلت بصري نحو السبورة. و فتشت في كل الاتجاهات . لكن السبورة خذلتني مثل كل مرة و تأبى أن تستضيف أحرف اسمي...ابتلعت المرارة و الفشل و مشيت فوق الأرصفة مثل المساكين و أنا أحمل تعاستي بين أضالعي...
مضى شطر النهار و أنا هائم على وجهي بين الدروب و الأزقة. استوقفني المتحف مرة أخرى. و غمست جسدي وسط رهط من الزائرين.
في لحظات كما البرق وجدتني بين أسوار المبنى...و توجهت رأسا نحو تلك القاعة المتوارية في مؤخرة المتحف. أضأت الأنوار لقد كان الهدوء مخيما هنا...و فتحت حقيبتي و أفرغت ما تحمله من أوراق.
في شرود طويل بدأت أعلق تلك الوثائق و الشهادات فوق الجدران و أنا ألهج بأنشودة كنت أحفظها منذ أيام المدرسة...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
malouka
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

التسجيل : 28/08/2016
عدد المساهمات : 130
السٌّمعَة السٌّمعَة : 0

مُساهمةموضوع: رد: متــــــــــــــــــــحف الجنوب   الثلاثاء أغسطس 30, 2016 11:10 pm

موضوع في قمة الروعه لا عدمنا التميز و روعة الاختيار دمت لنا ودام تالقك الدائم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
متــــــــــــــــــــحف الجنوب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المــــــــــرأة المــــــــــسلمة  :: منتدى حواء الادبية :: قسم القصص والروايات-
انتقل الى: